قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> التجلي
16- التجلي
بايرون 2281 - 4281
في سبتمبر 2281 انطلق بايرون وآل جمبا Gambas من بيزا إلى ألبارو Albaro إحدى ضواحي جنوا· لقد أرهق بايرون بدنه وعقله منذ غادر إنجلترا، فبدأ يضجر حتى من حب تيريزا غير المضجر· لقد أزاحت عيناه الحادتان وروحه الساخرة ما على وجه الحياة من حجاب ويظهر أنه لم يترك حقيقة تحفزه على الإخلاص والمثالية· لقد كان أشهر شاعر على قيد الحياة لكنه لم يكن معتزا بشعره فالآلام المحمومة التي ظهرت في عمله (شايلد هارولد) بدت الآن تنم عن جبن، والملاحظات الساخرة في (دون جوان) تركت المؤلف والقارئ وقد خاب أملهما وتحررا من الوهم· إنه يشعر الآن أن على الإنسان أن يقدم للبشرية شيئا أكثر من الشعر(051) وفي جنوا طلب من طبيبه أن يدله على أفضل سم وأسرعه مفعولا(151)· وعرض عليه اليونانيون موتا يخلصه· لقد سقطت اليونان في أيدي الترك (العثمانيين) في سنة 5641 وأصبحت مخدرة في ظلال حكم أجنبي· وكان بايرون قد دعا اليونانيين في قصيدته الطويلة (شايلد هارولد) (النشيد 2slashالأبيات 37 - 48) للثورة ضد حكم الأتراك (العثمانيين): أيها الأرقاء!slash ألا تعلمون أن تحرركم يحتاج إلى هبة كالإعصار؟· وثار اليونانيون في سنة 1281 لكن كان ينقصهم السلاح والمال والوحدة، وكانوا يصرخون طالبين المساعدة من الأمم التي استفادت من تراثها الخصب، وأرسلت اليونان لجنة إلى لندن طالبة العون المالي، وأرسلت اللجنة ممثلين إلى جنوا متحدية بايرون أن يرسل بعض أمواله للتعجيل بالثورة التي كان يدعو إليها· وفي 7 أبريل 3281 أخبر المبعوثين أنه رهن إشارة الحكومة اليونانية المؤقتة·
لقد تحول بايرون من الشعر إلى العمل· إنه قد كرس نفسه الآن للأفعال لا الأقوال· لقد أفسحت التعبيرات الساخرة الطريق للعمل من أجل قضية· لقد تنحى الشعر، وخرجت الرومانسية من إهابها لتبحث عن حل· وبعد أن خصص جانبا من ميزانيته لآل هنت، وتيريزا على نحو خاص، جعل ما تبقى من ثروته لصالح الثورة اليونانية· لقد أصدر تعليماته لوكلائه في لندن لبييعوا كل ما يملك في إنجلترا ويرسلوا إليه المبالغ، وباع (البوليفار) بنصف تكلفته واتفق أن تقوم سفينة إنجليزيه لتستقله هو، وبيترو جمبا وتريلاوني إلى اليونان وأن تكون السفينة مزودة ببعض المدافع والذخيرة وإمدادات طبية تكفي ألف رجل مدة عامين· وناضلت تريزا لإثنائه عن عزمه كي يكون إلى جوارها، فرفض برقة ورضى عندما علم أنها ووالديها قد حصلوا على إذن بالعودة إلى رافنا، وأخبر الليدي بليسنجتون لدى شعور أنني سأموت في اليونان· أتمنى أن يتحقق هذا، فلو حدث لكان خير نهاية لحياة كئيبة جدا(251)·
وفي 61 يوليو أبحرت السفينة (Hercules) من جنوا قاصدة اليونان· وبعد تأخير كان مدعاة لسخطه رست في 3 أغسطس في ميناء أرجوستوليون Argostolion في سيفالونيا أكبر الجزر الأيونية· وبوصولهم لهذه الجزيرة يكونون على بعد خمسين ميلامن اليونان لكن بايرون أجبر على تضييع عدة شهور فيها· لقد كان يأمل أن ينضم في ميسولونجي Missolonghi بأهم الزعماء اليونانيين لكن ماركو بوزاريس Bozzaris كان قد لقي حتفه في أثناء العمليات، وكانت ميسولونجي في أيدى الأتراك العثمانيين كما كانت السفن الحربية العثمانية تتحكم في كل السواحل المؤدية إلى البر اليوناني من جهة الغرب· وفي بواكير شهر ديسمبر استعاد الأمير أليكزاندروس مافروكورداتوس Alexandros Mavrokordatos، ميسولونجي، وفي 92 من الشهر نفسه غادر بايرون جزيرة سيفالونيا وكتب الكولونيل ليسستر ستانهوب Leicester Stanhope ممثل اللجنة اليونانية التي كانت تجمع الأموال في إنجلترا لمساعدة الثورة اليونانية - كتب من ميسولونجي: الكل يتطلع إلى وصول اللورد بايرون كما لوكانوا ينتظرون المسيح المخلص(351) ووصل المخلص الشاب بعد عدة مغامرات وبعد اجتياز عدة مشاكل أدت لتأخره إلى ميسولونجي في 4 يناير سنة 4281 فتلقاه الأمير والناس بفرح غامر·
وعهد إليه مافروكورداتوس بقيادة ستمائة من السوليتو Sulitos، وتقديم المؤن لهم ودفع رواتبهم (والسوليتو فرقة انتحارية جزء منها يونانيون وجزء ألبان ولم يكن منظرهم ملهماً للورد بايرون وكان يعرف أن الثورة اليونانية منقسمة إلى فصائل متنافسة تحت قيادات ذوات ميول سياسية أكثر منها حربية· ومع هذا فقد كان سعيدا للقيام بدور فعَّال ولم يتأخر عن تقديم المساعدة· لقد قدم إلى مافروكورداتوس وحده نحو ألفين من الجنيهات كل أسبوع لتمويل أهالي ميسولونجي بالطعام والمشروبات· وفي هذه الأثناء كان يعيش في فيلا شمال المدينة بالقرب من الساحل· يقول تريلاوني: عند حافة أسوأ مستنقع رأيته في حياتي· وثبت أن السوليتو غير منضبطين ويميلون للتمرد، وكانوا مشتاقين لأمواله أكثر من رغبتهم لطاعة أوامره· وكان الشاب لوشينفار يأمل تأجيل الأعمال العسكرية حتى يتم استعادة النظام والانضباط، ولم يكن تريلاوني ميالا للتأجيل فمضى يبحث عن المغامرة في أي مكان· ولم يبق إلا بيترو جامبا Gamba قريبا من بايرون يرعاه قلقاً عليه لمعاناته من الحرارة والفزع والمالاريا·
وفي 51 فبراير أصبح وجه بايرون على حين فجأة شاحبا في أثناء زيارة الكولونيل ستانهوب، وسقط مغشيا عليه وراح في حالة تشنج فاقد الوعي· واستعاد وعيه فتم نقله إلى فيلته وتجمع حوله الأطباء وراحوا يفصدون بعلقات تسحب الدم، وعندما تم إبعاد العلقات لم يتوقف نزيف الدم و وهن بايرون وأصبح يعاني من نقص دمه· وفي 81 فبراير تمرد رجال الكتيبة التابعة له (السوليتو) مرة ثانية مهددين باقتحام فيلته وقتل كل الأجانب الذين يقابلونهم· فهب من سريره وهدأهم لكن أمله في قيادتهم ضد الترك في ليبانتو كان قد تلاشى وضاع بذلك حلمه بموت بطولي مثمر· وتلقى خطابا - كان كالعزاء له - من أوجستا لاي Augusta Leigh به صورة لابنته أدا Ada مع وصف لعادات الطفلة وميولها كما قدمته أنابلا - فالتمعت عيناه بالسعادة للحظات، فقد تنكرت له كل الأمور التي ألفها الناس·
وفي 9 أبريل ذهب راكبا إلى بيترو Pietro وفي أثناء العودة دهمهم مطر عنيف وفي هذه الليله عانى بايرون من القشعريرة والحمى· وفي 11 من الشهرنفسه زادت حالته سوءا فلزم سريره وشعر بانهيار قواه وأدرك أنه على وشك الموت· وفي أيامه العشرة الأخيرة كان يفكر أحيانا في الدين لكنه ذكر الحقيقة أنني أجد صعوبة في معرفة ما يجب الاعتقاد فيه في هذا العالم وما لا يجب· هناك أسباب كثيرة معقوله تدفعني لأن أموت متعصبا، تماما كتلك الأسباب التي جعلتني أعيش حتى الآن مفكرا حرا(451) وذكر الدكتور جوليوس ميلينجن - طبيبه الرئيسى:
يجب أن أذكر بأسف لاحد له أنه رغم كوني لم أفارق وسادة اللورد بايرون خلال فترة مرضه الأخيرة إلا نادرا، فلم أسمعه يشير إلى الدين أية إشارة ، غير أنني في لحظة واحدة سمعته يقول هل سأطلب الرحمة؟ وبعد فترة صمت طويلة قال تعال! تعال! لاضعف، فلأكن رجلاً حتى النفس الأخير· وهذا الطبيب نفسه يرون عنه قوله: لا ترسلوا جثتي إلى إنجلترا· دعوا عظامي تفنى هنا! اطرحوني في أول ركن دون جلبة ولاتصرفات حمقاء(551)·
وفي 51 ابريل، بعد أن انتابته حالة تشنج أخرى سمح لأطبائه بفصد دمه ثانيةً، فأسالوا منه رطلين من الدماء ورطلين آخرين في فترة لاحقة، ومات في 91 أبريل 4281· وأظهر تشريح جثته - ولم يكن هذا أمرا معتادا - إصابته بتبولن الدم (اختلاط بوله بدمه) ولم تكن هناك علامات على إصابته بداء الزهري (السيفلس) وظهرت أدلة أن كثرة الفصد والأدوية المسهلة (المسبية للإسهال) كانتا هما الأسباب الأخيرة لموته· وكان مخه من أكبر الأمخاخ المعروفة - إذ كان يزن 017 جرامات وهو رقم يزيد على أعلى متوسط لمخ الإنسان العادي(651)· وربما أضعفه وعجل بنهايته ما عرف عنه من إفراط في الأمور الجنسية، وإفراطه في تناول الطعام أحيانا، وإفراطه في الحمية أحيانا أخرى بغير ضابط، فقد أضعف كل هذا مقاومته للإجهاد والقلق والهواء الرطب المحمل بالعفونة·
ولم تصل أخبار موته إلى لندن حتى 41 مايو، إذ حمل هوبهوس هذا الخبر إلى أوجستا لاي، وقد صدما معاً بهذا البنأ· والآن عاد هوبهوس لمشكلة المذكرات السرية لبايرون· لقد كان مور Moore قد باعها للناشر مري Murray بمبلغ ألفين من الجنيهات، فحاول هذا الأخير دفعها للمطبعة رغم تحذير مستشاره وليم جيفورد قائلاً على حد تعبير هوبهوس إنها لا تصلح إلا لبيوت الدعارة والمواخير وستسيئ كثيرا جدا إلى اللورد بايرون وستلحق به عاراً أبديا إن نشرت(751)·
واقترح مرى وهوبهوس إتلاف المخطوطة، واعترض مور ولكنه وافق أن يترك الأمر لرأي السيدة لاى Leigh فكان من رأيها إحراق المذكرات، وتم ذلك بالفعل، وأعاد مور الألفي جنيه إلى مري·
وأصر فلتشر الخادم العجوز الذي صاحب لورد بايرون على أن سيده قد عبر عن رغبته قبل موته بقليل أن يدفن في إنجلترا، إلا أن السلطات اليونانية وعامة اليوناينين اعترضوا على ذلك لكن كان عليهم أن يقنعوا بأجزاء من أمعائه تمت إزالتها قبل تحنيطه· وتم حفظ بدنه باستخدام 001 جالون من الخمور، ووصلت الجثة بالفعل إلى لندن في 92 يونيو، وتم تقديم طلب لسلطات كنيسة وستمنستر لدفن الشاعر في الركن المخصص للشعراء فيها لكن الطلب لم يلق قبولا· وفي 9slash01 يوليو سمح للعامة بإلقاء نظرة على الرفات المكفن فأقبل أناس كثيرون من قليلي الذكر، لكن بعض ذوي الحيثية سمحوا بأن تسير عرباتهم الخالية (أي التي لم يكونوا هم أنفسهم فيها) بالسير في الموكب الذي واكب الجثة من لندن إلى نوتنجهام في 21 - 51 يوليو· ورأت كلير كليرمونت، وماري شيلي من النافذة، موكب الجنازة وهو يتحرك· وفي 61 يوليو جرى دفن الشاعر في قبو أجداده بجوار أمه في كنيسة هكنال توركارد Hucknall Torkard - وهي قرية بالقرب من مبنى نيوستيد، وهو مبنى دير قديم لم يعد يستخدم كدير Newstead Abbay·